أحمد بن محمد القسطلاني
247
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
ونصب الغيث ، مفعوله الثاني ( فأطبقت ) أي : دامت وتواترت ( عليهم سبعًا ) أي : سبعة أيام ، وسقطت التاء لعدم ذكر المميز . فإنه يجوز فيه الأمران حينئذ . وفي تفسير سورة الدخان ، من رواية أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، في هذا الحديث : فقيل : يا رسول الله ! استسق الله لمضر فإنها قد هلكت . قال : لمضر : إنك لجريء ، فاستسقى فسقوا . اه - . والقائل : يا رسول الله ، الظاهر أنه أبو سفيان ، لما ثبت في كثير من طرق هذا الحديث في الصحيحين : فجاء أبو سفيان ، وإنما قال : لمضر ، لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز . وكان الدعاء بالقحط على قريش ، وهم سكان مكة ، فسرى القحط إلى من حولهم ، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش ، لئلا يذكره بجرمهم . فقال : لمضر ، ليندرجوا فيهم ، ويشير أيضًا إلى أن غير المدعوّ عليهم قد هلكوا بجريرتهم . وقوله لمضر : إنك لجريء : أي : أتطلب أن أستسقي لهم مع ما هم عليه من معصية الله والإشراك به . وفي دلائل البيهقي عن كعب بن مرة ، أو مرة بن كعب ، قال : دعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على مضر ، فأتاه أبو سفيان بمكة ، فقال : ادع الله لقومك ، فإنهم قد هلكوا . ورواه أحمد ، وابن ماجة ، عن كعب بن مرة قال : جاءه رجل فقال : استسق الله لمضر . فقال : إنك لجريء ألمضر ؟ قال : يا رسول الله ، استنصرت الله فنصرك ، ودعوت الله فأجابك . فرفع يديه فقال " اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا ، مريعًا طبقًا ، عاجلاً غير رائث ، نافعًا غير ضار . . . " الحديث . فظهر بذلك أن هذا الرجل المبهم المقول له : إنك لجريء ، هو أبو سفيان . وأخرج أحمد أيضًا ، والحاكم ، عن كعب بن مرة أيضًا ، قال : دعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على مضر ، فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ! إن الله قد نصرك ، وأعطاك ، واستجاب لك . وإن قومك قد هلكوا . . . الحديث . فظهر أن فاعل قال : يا رسول الله في الحديث الذي قبل هذا ، هو : كعب بن مرة . راويه ، وعلى هذا فكأن أبا سفيان وكعبًا حضرًا جميعًا . فكلمه أبو سفيان بشيء ، فدلّ على اتحاد قصتهما . وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك ، من قوله : إنك لجريء . وغير ذلك . وسياق كعب بن مرة مشعر بأن ذلك وقع بالمدينة ، لقوله : استنصرت الله فنصرك ، ولا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة مع قصة أنس السابقة ، فهي واقعة أخرى ، لأن في رواية أنس : فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا . وفي هذه : فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا . والسائل في هذه القصة ، غير السائل في تلك . فهما قصتان ، وقع في كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء ، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء . كذا قرره الحافظ ابن حجر ، رادًّا به على من غلط أسباط بن نصر في هذه الزيادة ، ونسبه إلى أنه أدخل حديثًا في آخر . فقال : وإن قوله : فسقوا الغيث ، إنما كان في قصة المدينة التي رواها أنس ، لا في قصة قريش . وأجاب البرماوي بأن المعنى : أن سفيان يروي عن منصور واقعة مكة ، وسؤال أهل مكة وهو بها قبل الهجرة ، وزاد عليه أسباط ، عن منصور ، ذكر الواقعتين ، لا أن الثانية مسببة عن الأولى ، ولا أن السؤال فيهما معًا كان بالمدينة . اه - . ( وشكا الناس ) إليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( كثرة المطر ، قال ) وللأربعة ، فقال : ( اللهم ) أنزل المطر ( حوالينا ولا ) تنزله ( علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس حولهم ) برفع الناس على البدل من الضمير ، أو فاعل على لغة : أكلوني البراغيث . ويجوز النصب على الاختصاص ، أي : أعني الناس الذين في المدينة وحولها . 14 - باب الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ " حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا " ( باب الدعاء إذا كثر المطر " حوالينا ولا علينا " ) بإضافة باب لتاليه . 1021 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ ، وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا . فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا ( مَرَّتَيْنِ ) . وَايْمُ اللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ ، وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى . فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا . فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ : تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسُهَا عَنَّا . فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا . فَكُشِطَتِ الْمَدِينَةُ ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا ، وَلاَ تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ " . وبه قال : ( حدّثنا ) ولأبي ذر ، وأبي الوقت ، بالتوحيد ( محمد بن أبي بكر ) المقدمي الثقفي البصري ( قال : حدّثنا معتمر ) هو : ابن سليمان التيمي ( عن عبيد الله ) بضم العين ، ابن عمر بن حفص بن عاصم العمري ( عن ثابت ) البناني ( عن أنس ) ولأبي ذر : أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، أنه ( قال ) : ( كان النبي ) ولأبي ذر : رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يخطب يوم جمعة ) بالتنكير ، ولأبي ذر ، في نسخة ، وابن عساكر : يوم الجمعة ( فقام ) إليه ( الناس ، فصاحوا فقالوا : يا رسول الله ! قحط المطر ) بفتح القاف والحاء والطاء ، أي : احتبس ( واحمرت الشجر ) أي : تغير لونها من الخضرة إلى الحمرة من اليبس ، وأنث الفعل باعتبار